الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عقّب أمرهم بالتّقوى بذكر ما وعد اللّه به المتّقين ترغيبا في الامتثال ، وعطف عليه حال أضداد المتّقين ترهيبا . فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا . ومفعول وَعَدَ الثّاني محذوف تنزيلا للفعل منزلة المتعدّي إلى واحد . وجملة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ مبيّنة لجملة وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ، فاستغني بالبيان عن المفعول ، فصار التقدير : وعد اللّه الّذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما لهم . وإنّما عدل عن هذا النظم لما في إثبات المغفرة لهم بطريق الجملة الاسمية من الدلالة على الثبات والتقرّر . والقصر في قوله : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ قصر ادّعائي لأنّهم لمّا كانوا أحقّ النّاس بالجحيم وكانوا خالدين فيه جعلوا كالمنفردين به ، أو هو قصر حقيقي إذا كانت إضافة أَصْحابُ مؤذنة بمزيد الاختصاص بالشيء كما قالوه في مرادفها ، وهو ذو كذا ، كما نبّهوا عليه في قوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ [ آل عمران : 4 ] فيكون وجه هذا الاختصاص أنّهم الباقون في الجحيم أبدا . [ 11 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) بعد قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ [ المائدة : 7 ] أعيد تذكيرهم بنعمة أخرى عظيمة على جميعهم إذ كانت فيها سلامتهم ، تلك هي نعمة إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم لأنّها نعمة يحصل بها ما يحصل من النصر دون تجشّم مشاقّ الحرب ومتالفها . وافتتاح الاستئناف بالنّداء ليحصل إقبال السامعين على سماعه . ولفظ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وما معه من ضمائر الجمع يؤذن بأنّ الحادثة تتعلّق بجماعة المؤمنين كلّهم . وقد أجمل النعمة ثمّ بيّنها بقوله : إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ . وقد ذكر المفسّرون احتمالات في تعيين القوم المذكورين في هذه الآية . والّذي يبدو لي أنّ المراد قوم يعرفهم المسلمون يومئذ ؛ فيتعيّن أن تكون إشارة إلى وقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة . ولم أر فيما ذكروه ما تطمئنّ له النّفس . والّذي أحسب أنّها تذكير بيوم الأحزاب ؛ لأنّها تشبه قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ الأحزاب : 9 ] الآية .